أبغض الحلال

 
كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن العنف الذي تتعرض إليه المرأة من قبل زوجها… فوجئنا جميعا بالنسبة المرتفعة للنساء اللاتي تتعرضن إلى التعنيف من قبل أزواجهن، وبدا الأمر وكأنه ظاهرة طارئة على المجتمع التونسي بسبب تعقيدات الحياة اليومية وصعوبتها ربما… االتفاصيل اليومية الصغيرة هي التي تقتل الأشياء الجميلة، لأن السكن المشترك لا يستطيع أن يستمر بالحب وحده، بل بالمسؤولية… الحياة المشتركة تعني أن كل طرف مسؤول عن أشياء كثيرة لتستمر هذه الحياة، والمسؤولية ثقيلة لا شك في ذلك، لا يستطيع أن يتحملها بعضنا فيتحول السكن المشترك إلى ساحة حرب!
العنف الزوجي ليس ظاهرة طارئة على المجتمع التونسي لكن الذي استجد أن المرأة صارت تعبر عن رفضها للعنف… تتمرد… تطلب الطلاق… ويحدث أحيانا أن تهرب من زوجها، ومن أطفالها وعائلتها وتعيش وحيدة، تعمل من أجل توفير حياة كريمة لنفسها… قد يبدو لنا الأمر غريبا أن تتخلى أم عن أبنائها، ولكن خلف كل قرار مر هناك تفاصيل أكثر مرارة وأشد قسوة
في فيلم “كرامر ضد كرامر”، “ميرلي ستريب” العظيمة تجسد دور زوجة وأم تركت حياتها وأحلامها من أجل طفلها وزوجها “داستن هوفمان” الذي فاجأته في يوم ما برغبتها في الانفصال والهجرة إلى ولاية أخرى لتلاحق أحلامها المؤجلة… كان قرارا مفاجئنا بالنسبة إليه فهو لا يرى حياتهما كارثية ولم يحدث بينهما ما ينبئ بنهاية الزواج! كان منشغلا بمستقبله المهني، وهي متفرغة لتربية طفلها فلم ينتبه إلى الصراع الداخلي الذي كانت تعيشه ولا إلى حالة الإحباط التي دفعتها لاتخاذ القرار الصعب
أعرف الكثير من نساء تونس الجميلات الشابات الناجحات في حياتهن العملية، تعرضن إلى العنف الشديد… لم أسأل يوما عن الأسباب لأن العنف لا يبرره شيء… بعض هذه النساء امتلكن شجاعة الانفصال، والبعض الآخر مازال صابرا على حياة تشبه “الجحيم”!! وعندما تسألهن عن سبب صبرهن لا تستطيع العثور على إجابة… هو الخوف من حياة مجهولة… من نظرة المجتمع ربما… ومن تحمل المسؤولية المادية حتى وإن كان الزوج بخيلا وأنانيا
لا شيء يجبرنا على الزواج، فلماذا يتزوج بعضنا إن لم يكن قادرا على تحمل الحياة المشتركة وتقاسم متاعبها والاستمتاع بالتفاصيل المبهجة فيها؟ لماذا ينتهي الزواج بطريقة تراجيدية في وجود “أبغض الحلال عند الله”؟

شاهد أيضاً

الدكتور نادر الحمامي يعلق على خطاب الرئيس في عيد المرأة

مقالتي اليوم الثلاثاء 18 أوت 2020 حول خطاب الرئيس يوم 13 أوت 2020، وهذا النصّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.